الفيسبوك صندوق الدنيا الأزرق! /شهباء شهاب
17/07/17
الفيسبوك صندوق الدنيا الأزرق! /شهباء شهاب
0 41

بين ليلة وضحاها، أضحى صندوق الدنيا الأزرق، «الفيسسبوك»، صديق الملايين من الناس في كل حدب وصوب. اصبح معظم البشر في كوكب الأرض يستيقظ صباحا، لا على رائحة القهوة، او عبير الزهور، او زقزقة العصافير على الشجر، او همس المحبين، او نور النهار المتسرب عبر الستائر، بل على رائحة صندوق الدنيا الأزرق، الفيسبوك، الراقد في احضاننا، والى جانبنا، والغافي على صدورنا، ووسائدنا. نصحو على زقزقة اشعاراته، وهمس اعلاناته، ورائحة صفحاته، وانوار الازرار الحمراء، المشعة اعلى الكتاب، وهي تلمع، وتبرق، وتتوهج لتخبرنا بوصول رسالة، او طلب صداقة، او اشعارات بتعليقات، واعلامات جديدة تحمل خيرا، او شرا، مطرا، او برقا، او رعدا، محبة هنا، وعداوة هناك!
ثم ندخل المطبخ، لإعداد وجباتنا كلها من فطورها إلى عشائها، فيركض الصندوق الأزرق أمامنا، يزاحم أقدامنا، ويتلصص علينا ونحن نطبخ، او نعجن، او نغسل الاطباق، او ربما نأكل لقمة هنا او هناك. نفتح الثلاّجة فيمد يديه الزرقاوين ليفتحها معنا، ويمد رأسه الأزرق الكبير، يتفحص ما فيها بعينيه الزرق، الواسعة، الكبيرة. ثم نتوجه لمائدة الطعام، فيسبقنا اليها، ويجلس لها قبلنا، ويخوض غمارها، متغلغلا في تفاصيلها، وقدورها، وصحونها، واطباقها، طبقا طبقا، ووعاء وعاء. 
بل حتى مكان العمل والرزق، لم يسلم منه، فهو الصاحب الوفي، المرافق، الذي لا يغيب ولا يتلكأ ولا يتعب من اللحاق بصاحبه. وعندما يحل المساء، بعد عناء العمل ومشقته، يصبح هو سيد المسرح، بلا منازع، اذ لا يتردد بان يرافقنا في جولات المرح، والصخب، واللقاء، والزيارات، وارتياد الأماكن العامة، وأماكن اللهو، والترفيه. فان اصابنا كلل، او ملل، او حزن، او اشتياق، او بكاء، او مأساة، او فرح، او ترح، او نجاح، او فشل، كان هو أول من يعلم، ويواسي، ويداوي، ويربت الأكتاف، ويمسح العبرات، ويحزن، ويشفق، ويبكي، ويهنئ، ويبارك ايضا. كيف لا، وهو الجليس، والنديم، والصديق في عالم عز فيه الاصحاب، والاصدقاء من حولنا، فبدأنا نبحث عنهم في ثنايا الأجهزة الالكترونية، وطياتها، وصفحاتها، نرقع، بزرقته، حياتنا الباهتة، الفاترة، ونرفو، بضجيجه، وصخبه، صمت الايام الرتيبة، وسكون الليالي الباردة.
ومن عجائب صندوق الدنيا الأزرق، ان ترى ان بعضا من شركائك عليه، يعشقون دور الرقيب على شركائهم، ذلك الدور الذي يعطي صاحبه بموجبه الحق لنفسه ان يراقب هنا، ويعّدل هناك، ويقص، ويحذف، ويمنع المنشورات التي لا توافق فكره وهواه، فيتحول بين ليلة وضحاها، دون ان يدري، لمؤسسة للارهاب الرقابي الجديد. ولا تستبعد ان ترى هذه المؤسسة الرقابية الفريدة من نوعها وهي تصدر الأوامر، والتعليمات، والنواهي عن ما ينشر ويستحب، وما لا ينشر وهو من المكاره الواجب تجنبها. فتضحك في سرك على هؤلاء الذين يعطون لأنفسهم هذا الحجم، وهذا الدور في فرض الإملاءات على الآخرين، دون وجه حق. فمثل هؤلاء لا يفهمون ان صندوق الدنيا الأزرق قد وجد لينفس الإنسان به عن مكنونات صدره التي تثقل الخاطر، والفكر، وانه بذلك يمارس حقه الذي وفرته له مواثيق حقوق الإنسان، وهو حق حرية التعبير، والنشر، بما لا ينتهك حقوق الافراد، والمجتمعات، ولا يهددهم.
ويا ليت الأمر يقف عند حد مصادرة حرية التعبير والنشر للآخرين، ولكنه يتعداه إلى أبعد من ذلك، عندما يتحول صندوق الدنيا الأزرق إلى مسرح لتصفية الحسابات، وإفراغ النقمة، وانتزاع الثأر، وشن حروب التصفية، والاغتيالات القمعية، وحملات التهديد، والوعيد، والتشهير. وتجلس انت تتابع ما يدور من معارك امامك، وربما تبتسم بينك وبين نفسك، أو ربما تضحك سخرية، وانت في حيرة من أمرك، كيف انحرف هذا الصندوق الأزرق، الذي اظن انه انشئ للتعارف، وإقامة علاقات الصداقة، والتقارب بين الافراد والشعوب، عن مساره وتحول إلى صندوق للدنيا الكبيرة الشاسعة بكل ما فيها، وما يعتريها من سلم، وحرب، ومحبة، وكراهية، وصداقة، وعداوة، وقتال، ونزاعات. والأكثر من ذلك، انه تحول لأداة طيعة، لينة بيد كل من يريد استخدامه وتوظيفه. فهو بالفعل سلاح ذو حدين، حد رقيق، لطيف، جميل، وحد غليظ، خشن، قبيح. سلاح كأي سلاح آخر، بوسعه الحماية، او الثأر. وهكذا نجح كثيرون في استخدامه كوسيلة فعالة، ومؤثرة لغسل الأدمغة، أو تجريفها، وحرثها، ثم زرعها بمحاصيل جديدة، مغايرة.
بعضـنا الآخر، لا يـرى الفيسـبوك إلا كصـندوق أزرق، مجنون، فتك بالجميع، مخربا للعلاقات، فاضحا لنجوى النفوس، كاشفا للضمـائر المتخفية خلف الوجوه، ممزقا للوجوه المختبئة وراء آلاف الاقنعة الملونة، المبهرجة، معريا للخلفيات المتوارية خلف الأصباغ، والواجهات اللامعة، البراقة التي تخطف الأسـماع، والأبصـار. فكم من صـداقة ذبلـت، وذوت، ومـاتت من ورائـه، وكم من صـديق، او قـريب فقدنـاه بسـبب صورة، او كلمة نشرها صندوق الدنيا الأزرق، وكـم من محبة غيرت ثوبها الابيض الجميل بأثواب أخـرى داكنة، ومنـها أثواب الحـسد والغيـرة والكـره وغيـرها، بسـبب صـندوق الدنـيا الأزرق الحـاذق. 
مجنون انت ايها الصندوق الأزرق، كم فتكت بنا، وباصدقائنا، وجيراننا، ومعارفنا. وكل مرة نقرر ان لا نلجأ اليك، ولا ندعوك إلينا، والى حياتنا، وفي كل مرة نخلف الوعد الذي قطعناه لأنفسنا. فقد غدوت لكثير منا ملح الحياة الذي لا يفارقنا،أينما كنا،وأينما حللنا، ومهما فعلنا.

كاتبة من العراق

أترك تعليق