أمير الظلام والموقف من الإعلام /مالك التريكي
22/07/17
أمير الظلام والموقف من الإعلام /مالك التريكي
0 24

عندما سمعت بأن بعض مدربي أو لاعبي كرة القدم في دول الحصار رفضوا الإدلاء بتصريحات لقناة الجزيرة الرياضية، باعتبار أنها تمثل بلاد العدو!، تذكرت أن الرئيس جورج بوش كان قد سبقهم، في أعقاب غزو العراق، إلى بادرة «الروح الرياضية» هذه أثناء زيارة للدوحة في حزيران/يونيو 2003. حيث رفض بوش، بازدراء وصلف يليقان به، النظر إلى مبعوث الجزيرة مع أن أمير قطر لفت انتباهه إلى المايكروفون الممدود إليه. على أنه وجب القول إن علاقة الحكومة البريطانية بقناة الجزيرة أثناء الفترة الأولى من احتلال العراق كانت تتسم بالذكاء رغم شدة الاستياء من تغطيتها لمجريات العدوان.
ولهذا أختم سلسلة المقالات عن هذا الموضوع بالتطرق إلى مناسبتين مختلفتين أتيح لي أن ألمس فيهما شخصيا مقدار هذا الاستياء. وقد كانت الشخصية السياسية المعبرة عن الموقف السلبي من الجزيرة في كلتا المناسبتين هي بيتر ماندلسون صديق توني بلير الصدوق ووزيره الموثوق، ومهندس الحملة الانتخابية التي أعادت حزب العمال إلى الحكم عام 1997، والسياسي الداهية الذي كان الصحافيون يلقبونه أمير الظلام. أما المناسبة الأولى فقد اتفق أن جمعتنا في مقر القناة التلفزيونية الرابعة بانتظار المشاركة ضيوفا في النشرة المسائية التي يقدمها المذيع القدير والشهير جون سنو. كان ذلك يوم اضطرار المدير العام للبي بي سي غريغ دايك في 29 كانون الثاني/يناير 2004 لإعلان استقالته بعد أن قضت لجنة التحقيق، التي كان يرأسها اللورد هاتون، بأن دايك لم يأمر بإجراء ما يلزم من التحريات للتأكد من صحة الخبر الذي أذاعه راديو بي بي سي 4 في أيار/مايو 2003 حول قيام حكومة توني بلير بتلفيق التقرير الاستخباري الذي بررت به المشاركة في شن العدوان على العراق.
ومعروف أن هذا التقرير، المعروف باسم «ملف العراق»، تضمن أكاذيب سافرة شملت الزعم بأن العراق حصل على كميات معتبرة من اليورانيوم من النيجر وأن أسلحته الكيميائية والبيولوجية يمكن أن تكون جاهزة للاستخدام بعد مجرد 45 دقيقة من إصدار صدام حسين الأمر بذلك. 
ولهذا طلعت الجرائد الشعبية آنذاك بعناوين من قبيل: البريطانيون على بعد 45 دقيقة من الفناء! ولكن رغم وجود الأدلة آنذاك، ثم تكاثرها طيلة الأعوام التالية للغزو، على أن هذا التقرير كان ملفقا، فإن مدير البي بي سي رأى أن من واجبه أن يعلن استقالته. ونظرا للأهمية البالغة لهذا الحدث، فإن جون سنو وزملاءه في القناة الرابعة قرروا استدعاء بعض الساسة البريطانيين والصحافيين الأجانب لاستطلاع آرائهم في هذه الاستقالة المدوية: هل استقال غريغ دايك إقرارا بتقصير إعلامي أم رضوخا لضغط سياسي؟
كان في غرفة الانتظار المحاذية للاستوديو أربعة ضيوف: وزيرة الثقافة والإعلام والرياضة تيسا جاول، ومستشار توني بلير ووزيره الاستثنائي بيتر ماندلسون، ومراسل قناة التلفزيون الإيطالي الأولى في لندن راي أونو وأنا (إضافة لبعض مساعدي الوزيرين). كان الحديث وديا مع زميلي الإيطالي ومع تيسا جاول. فقد أبدت لي الوزيرة حفاوة عندما علمت من أكون، وقالت لي إنها استضيفت عدة مرات في نشرات الجزيرة وبرامجها، فقلت لها إني أعرف ذلك وإن التعبير عن وجهة النظر الرسمية البريطانية مطلوب. ولم أستغرب منها هذا فهي سيدة معروفة باللطف والبشاشة.
أما بيتر ماندلسون، فإنه ما أن علم بمن نكون أنا والزميل الإيطالي حتى أشاح بوجهه. فأيقنت أنه ما فعل ذلك إلا ليتحاشى السلام على العدو! هذا رغم أنني ألفيته عند مجيئي يمازح تيسا جاول قائلا: لا تحاولي إقناعي بأنه لا علاقة لك من قريب أو بعيد باستقالة مدير البي بي سي! وبما أنها كانت تعلم علم اليقين أنه يمزح وألاّ أحد يصدق أن الأمور في بريطانيا تسير على هذا النحو، فإنها كانت ترد عليه ضاحكة بأن يكف عن هذا!
المناسبة الثانية كانت في حفل استقبال في وزارة الخارجية أو في مقر جريدة الغارديان، لست ذاكرا بالضبط، وكنت مع زميل بريطاني سبق أن عمل في برنامج «توداي» الصباحي العريق الذي يبثه راديو بي بي سي 4 والذي يحظى بإقبال النخبة السياسية والثقافية. سلّم ماندلسون هذه المرة لأننا في خليط من الناس، ثم ما إن سنحت له فرصة حتى قال لزميلي على وجه الإسرار: ماذا دهاك، كيف تترك البي بي سي؟ وهل يعقل أنك ما فعلت فعلتك هذه إلا لتنضم إلى الجزيرة دونا عن جميع القنوات؟

٭ كاتب تونسي

نقلا عن /القدس العربي

أترك تعليق