العراق «المنتصر» يواجه شبح التقسيم مجددا /د. سعيد الشهابي
28/07/17
العراق «المنتصر» يواجه شبح التقسيم مجددا /د. سعيد الشهابي
0 40

من حق العراقيين ان يحرروا اراضيهم من الارهاب، كما هو حق الفلسطينيين تحرير ارضهم من الاحتلال، وحق الشعوب العربية في التخلص من الاستبداد، وحق الامة في استرجاع كرامتها ووحدتها وانهاء الهيمنة الاجنبية على بلدانها. ولقد كان امرا طبيعيا ان يحتفي العراقيون باسترجاع مدنهم من المنظمات الارهابية التي تبنت العنف المفرط اسلوبا لعملها. وقد انهالت التهاني على حكومة ذلك البلد بعد عمليات تحرير الموصل.
وتستعيد الذاكرة ما حدث في مثل هذه الأيام تقريبا قبل 27 عاما، عندما اجتاحت القوات العراقية الكويت واسقطت حكومتها، فكان ذلك سببا للتدخل الاجنبي الذي مهدت له دول مجلس التعاون الخليجي. حكومة الكويت هي الاخرى استلمت برقيات التهاني بعد اخراج القوات العراقية من بلدها، بعد حرب كانت الاشد في التاريخ الحديث للمنطقة. كل ذلك يبدو منطقيا ومقبولا. ولكن التبعات المتوقعة لتلك التطورات، سواء في الكويت ام العراق، كانت غائبة عن الرأي العام، وان استشرفها بعض الساسة على نطاق ضيق. فالخليج بعد حرب الكويت لم يعد كما كان قبلها. أمريكا اصبحت اليوم صاحبة القرار برغم ما تبديه الرياض من صدارة قيادية وقرارات تبدو مستقلة عن أمريكا. وبرغم التقليل من حقيقة كلمة اطلقها الرئيس المصري الاسبق، انور السادات قبل قرابة الأربعين عاما، الا انها اصبحت اليوم اكثر صدقية. يومها قال السادات ان أمريكا تمتلك 99 بالمائة من اوراق اللعبة.
وكان بامكان امة العرب والمسلمين تغيير ذلك لو توفر لها حكام ذوو سيادة وقرار مستقلين. ولكن ذلك لم يحدث. ومنذ ثلاثين عاما بدأ الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة يتوسع بشكل تصاعدي. فقد رأت أمريكا في ما كانت تسميه «الاسلام السياسي» تهديدا حقيقيا لهيمنتها من جهة والوجود الاسرائيلي من جهة اخرى. فكانت جادة في التصدي لتلك الظاهرة التي كانت إيران تمثلها آنذاك، وكانت الحركات الاسلامية الاخرى تمثل امتداداتها الشعبية في اغلب البلدان العربية. 
بدأ التواجد العسكري الأمريكي بشكل عملي خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية خصوصا عندما قامت المدمرات الأمريكية بمصاحبة السفن الكويتية إلى خارج الخليج لحمايتها من الصواريخ الإيرانية. ثم جاءت حرب الكويت لتؤكد ذلك الحضور وتدخل المنطقة حقبة جديدة تكثف فيها الحضور الأمريكي. ومن المؤكد ان الكويت اليوم ليست هي كويت الامس. فقد اصبحت مدينة للتحالف الانكلو ـ أمريكي بسبب دوره في ضرب القوات العراقية واخراجها من الكويت. ذلك الدور كان مقدمة لتدخل اوسع ادى لاسقاط النظام العراقي في العام 2003، وجعل أمريكا صاحبة القرار الاستراتيجي في المنطقة. هذا القرار لا ينحصر بالبعد الامني او العسكري، بل يشمل السياسات العامة للحكومات خصوصا الموقف ازاء الكيان الاسرائيلي لجهة الاعتراف به اوالتطبيع معه. هذا الكيان لم يعد يشعر بالعزلة، بل اصبح لاعبا اساسيا في الوضع العربي. ولا يمكن فصل القرار الكويتي الاسبوع الماضي بطرد اغلب الدبلوماسيين الإيرانيين من الكويت بمن فيهم السفير خلال 45 يوما، وغلق القنصلية الإيرانية، عن سياسة الاملاءات الأمريكية. فالكويت تتمتع بعلاقات مستقرة مع كل من إيران والعراق، وتسعى لاستخدام تلك العلاقة للحفاظ على التوازن مع علاقاتها بالسعودية. اما ما يقال عن خلية «العبدلي» فقد استغلت للاساءة للعلاقات بين الكويت وإيران. 
وكانت المحكمة قد برأت اغلب المتهمين بالضلوع فيها، ولكن في الاسابيع الاخيرة عادت المحكمة لتصدر، بشكل مفاجئ احكاما مشددة بحقهم، الامر الذي تم تفسيره انه استجابة كويتية للضغوط التي تمارسها قوى الثورة المضادة التي تتصدرها السعودية و «إسرائيل». 
هذا في الوقت الذي يوسع الاحتلال فيه سيطرته على الاراضي الفلسطينية سواء ببناء المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية، ام بالسيطرة على المسجد الاقصى بنصب بوابات الكترونية لفحص المصلين وفرض سيطرة اسرائيلية على المسجد، الامر الذي رفضه المقدسيون جملة وتفصيلا.
النفوذ الأمريكي تتغير اهدافه ودوائر نفوذه مع تغير ادارات البيت الابيض، ولكن تبقى حماية «اسرائيل» على رأس اولوياته، وكذلك اجبار الانظمة العربية على التطبيع معها. واشنطن تعلم ان وحدة المنطقة من اهم معوقات تلك السياسة، ولذلك تسعى بشكل متواصل لمنع تحقق تلك الوحدة باساليب شتى من بينها الحضور العسكري والسياسي الأمريكي المكثف، وترويج المشروع الطائفي لتفتيت شعوبها، وثالثة بافتعال ازمات بين دولها، ورابعة بتعميق القمع السلطوي ومحاصرة نشطاء التغيير وحقوق الانسان، وخامسة بالسعي لتفتيت الدول العربية الكبرى إلى كيانات صغيرة، لتنشغل بالفتن الداخلية وتضعف ارادتها.
هذه الاساليب تختفي تارة وتظهر اخرى، فهي جاهزة للاستخدام عندما تبرز الحاجة لها. يضاف إلى ذلك ان من سياسات قوى الثورة المضادة حرمان الامة من الشعور بالانجاز والنصر. فما ان يتحقق انتصار شعبي عبر حراك سياسي او ثورة شعبية او صناديق اقتراح (برغم قلتها) حتى يتم تحريك المياه الراكدة واثارة القضايا النائمة لحرمان الشعوب من الشعور بالانجاز. أمريكا تعرف ان الشعوب وحدها هي القادرة على حماية فلسطين، ولديها من الايمان بالقضية والامكانات البشرية ما يؤهلها لتحقيق النصر بدون الاعتماد على الاجانب. ولذلك تسعى لمنع تحقق ذلك النصر. تعرف ان الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000 انما تم بارادة شعبية، وكذلك الصمود امام العدوان الاسرائيلي على لبنان في 2006 وهزيمة قوات الاحتلال الاسرائيلية. وكذلك هزيمة الاسرائيليين امام صمود حماس في غزة عدة مرات، كل ذلك دفع الأمريكيين لانتهاج سياسة تعكير الاجواء ومنع حالة البهجة والشعور بالقوة الذاتية والقدرة على الصمود والتصدي للعدوان والاحتلال والاستبداد.
العراقيون ابتهجوا بما تحقق لهم في الموصل، فخرجوا إلى الشوارع واقاموا الاحتفالات. لكن الأمريكيين لهم سياسات مختلفة. فالعراق بالنسبة لهم يمثل صيدا ثمينا، وعندما تدخلوا لاسقاط نظام صدام حسين كانوا يتطلعون لتوسيع نفوذهم في هذا البلد الكبير، مستغلين الفراغ السياسي والامني الذي حدث بعد حرب 2003. ويشعر العراقيون ان دخول داعش قبل ثلاثة اعوام لم يكن عفويا، بل كان انتقاما من العراق الذي أصر على استقلال اراضيه والاحتفاظ بسيادته. 
وربما الجانب الاكثر تعقيدا وخطرا السعي الحثيث لتقسيم العراق، وبرغم ان مخاطر التقسيم تضاءلت الا انه ورقة ما تزال أمريكا تهدد العراق بها. ويتوقع قيام الاكراد في 25 أيلول/سبتمبر المقبل باستفتاء حول استقلال اقليمهم عن العراق، الامر الذي سيؤدي إلى مزيد من التوتر الداخلي. فحتى لو انتهى الخطر الداعشي فان شبح التقسيم يحول دون استقرار البلاد. والنزعة نحو استقلال كردستان تثير مخاوف الدول الاخرى ذات الأقلية الكردية مثل تركيا وسوريا وإيران. فبعد الازمة التي نجمت عن الخطر الداعشي تراجعت احتمالات انفصال الاقليم السني، ولكن الطموح الكردي في الاستقلال يشوش الاجواء ويوفر للأمريكيين سيفا مصلتا على رؤوس العراقيين. مطلوب من الساسة العراقيين جمع امرهم مجددا ضمن الاطار الوطني واقامة منظومة سياسية ضمن المبدأ الدولي على اساس «لكل مواطن صوت» ومحاربة الفساد والغاء نظام المحاصصة وتقوية مؤسسات الدولة المركزية وفتح قنوات الحوار بين كافة مكونات الدولة. لقد اصبح العراق بالونة اختبار لمدى قدرة الغرب على تفكيك الدول العربية والاسلامية الكبرى من الجزائر إلى مصر وسوريا وتركيا والعراق وإيران وباكستان. فان تكررت تجربة التقسيم التي حدثت في السودان فلن تكون اية دولة بمأمن من ذلك الخطر. انه التحدي الاكبر ولكن بالامكان تجاوزه كما حدث مع التحدي الطائفي. ولكي تحصن الامة من داخلها، مطلوب التخلي عن عقلية التوسع او التدخل او التحدي او الاعتداء. والتجارب الحديثة مع سوريا والعراق واليمن وقطر تستدعي اعادة صياغة العقل العربي لتحصينه ضد الاطماع غير المشروعة والنزعات العدوانية غير المحكومة بدين او ثقافة او اخلاق.

٭ كاتب بحريني

نقلا عن القدس العربي

أترك تعليق