العراق: موسم الهجرة إلى المدنية وتمثلاتها/ يحيى الكبيسي
28/07/17
العراق: موسم الهجرة إلى المدنية وتمثلاتها/ يحيى الكبيسي
0 38

في العام 2010 نشرت ورقة بعنوان «موسم الهجرة إلى الوطنية»، تناولت فيها طبيعة الخطابات والتحالفات السياسية، والبرامج الانتخابية، التي سبقت انتخابات مجلس النواب التي جرت في نيسان من العام نفسه. 
فعلى الرغم من اعتماد الطبقة السياسية العراقية بعد نيسان 2003، بمختلف انتماءاتها، على استراتيجية تسييس الهويات الاجتماعية، الأثنية والدينية والمذهبية، مع كل ما نجم عن ذلك من حضور «الطائفة» وسيطا بين المواطن والدولة، وتكريس السرديات الخاصة بكل جماعة من هذه الجماعات في استراتيجيتها المعلنة في الصراع على السلطة، واعتماد العلاقة الطائفية/ الحزبية/ الجهوية شرطا للحصول على «ريع السلطة»، بداية من الوظيفة العامة، وصولا إلى «توزيع» المناصب العليا في الدولة! 
على الرغم من هذه السياسة المنهجية المعلنة، فان الجميع وجد نفسه مضطرا لتأطير هذه «الطائفية السياسية» وليس تجاوزها، عبر تشكيل كتل «وطنية» مفترضة، أي عابرة للهويات الفرعية، من خلال تزويق هذه الكتل الطائفية الصلدة التي تشكل هذه «الهويات الفرعية» مقولتها الرئيسية، بشخصيات تنتمي إلى «هويات» مغايرة اعتمادا على معادلة زائفة تفترض أن طائفي + طائفي = وطني! لكن النتائج التي تحققت حينها، أثبتت أن دعاية «الوطنية» لم تنتج واقعا انتخابيا مختلفا! فقد ظل السلوك الانتخابي القومي والطائفي حاسما في تلك الانتخابات، فحصدت الأحزاب والكيانات السياسية الرئيسية، التي بنيت أساسا على الطائفية السياسية، الكم الاكبر من الأصوات والمقاعد، ولم تتمكن أي من الشخصيات او الاحزاب التي أمنت هذا الشكل «الوطني» المفترض، عبر تحالفاتها، من الحصول على أصوات حقيقية!
اليوم يبدو واضحا أن ثمة معادلة زائفة اخرى يجري العمل عليها، تستبدل وطنية موديل عام 2010 بمدنية موديل 2018، وهذه المعادلة الجديدة تفترض هذه المرة أن صيغة (طائفي + طائفي = مدني) يمكن ان تشكل «براند» جديد قابل للتسويق. ولا يقتصر الأمر هنا على الكيانات الطائفية غير الإسلامية، فالطريف هنا كيانات الإسلام السياسي نفسها كانت السباقة هذه المرة لاعتماد «البراند» الجديد!
بكل ثقة يقدم سليم الجبوري، رئيس مجلس النواب العراقي، ونائب الأمين العام للحزب الإسلامي (الذراع السياسي للإخوان المسلمين في العراق) كيانه السياسي الجديد «التجمع المدني للإصلاح ـ عمل»، وينظر لهذا الكيان الجديد بأن «الظرف الموجود في البلاد يسير للدولة المدنية بأسس قانونية وليس بمفاهيم فكرية للإخوان المسلمين وغيرها من الحركات»! وقد حظي هذا الكيان بمصادقة دائرة الاحزاب في 19 آذار/ مارس 2017. 
ليس مهما هنا ان السيد سليم الجبوري كان قد تنافس على منصب الامين العام للحزب الإسلامي في انتخابات الحزب التي جرت في كانون الاول/ ديسمبر 2015 ولكنه لم يفز بالمنصب، وإنما فاز بمنصب النائب الاول للأمين العام! وليس مهما أن «التجمع المدني للإصلاح ـ عمل» برئاسة الدكتور سليم الجبوري كان واجهة الحزب الإسلامي في انتخابات مجلس النواب لعام 2014! فمراجعة قوائم الائتلافات المصادق عليها تكشف أن الحزب الإسلامي العراقي لم يدخل باسمه مطلقا في تلك الانتخابات، ومن ثم فان الحزب الإسلامي دخل في ائتلافات: متحدون، وديالى هويتنا (التي فاز من خلالها سليم الجبوري نفسه!)، وعرب كركوك باسم «التجمع المدني للإصلاح ـ عمل» برئاسة سليم الجبوري! كما ليس مهما ان أعضاء الحزب الإسلامي جميعا، ومن دون أي استثناء، كانوا قد دخلوا تحت عباءة «التجمع المدني للإصلاح ـ عمل) في تلك الانتخابات، وأن جميع الفائزين من اعضاء الحزب الإسلامي، والتي تتصدر اخبارهم موقع الحزب الإسلامي اليوم، كانوا قد فازوا بتلك الانتخابات تحت عباءة «التجمع المدني للإصلاح ـ عمل» وليس بعنوان الحزب الإسلامي! المهم هنا ان «البراند» الجديد قابل للتسويق، إقليميا ومحليا!
كما ليس مهما ان يتحدث أبرز عرابي الخطاب الطائفي في العراق، ممثلين في رئيس واعضاء ائتلاف دولة القانون، وهو ائتلاف يقتصر على الاحزاب الإسلامية الشيعية (حزب الدعوة الإسلامية، وحزب الدعوة الإسلامية/ تنظيم العراق، ومنظمة بدر، والاتحاد الإسلامي لتركمان العراق، وكتلة مستقلون، فضلا عن احزاب اسلامية صغيرة اخرى)، عن الدولة المدنية! أو يتحدث السيد عمار الحكيم عن كيانه الجديد «تيار الحكمة الوطني» الذي يحاول ان ينفض عن نفسه الحمولة التاريخية للمجلس الاعلى الإسلامي، عن سمات «الدولة المدنية» وإن من دون ان يسميها! فالسيد الحكيم أعلن أن مشروعه الجديد ينطلق من ايمان بالحاجة إلى تيار سياسي جديد يمتلك «روحا سياسية جديدة ومفهوما واسعا وإطارا كبيرا يستطيع أن يحتوي كل تضاريس هذا الوطن… وأن يقدم مشاريع وطنية حقيقية»، ويعمل على «تمتين أسس الدولة العصرية العادلة»، وعلى «حماية الحقوق المدنية والحريات الشخصية ضمن إطار المبادئ والأعراف السليمة»، وأن «المواطنة» هي الرابط الاقوى للشعب، وبها يمكن ضمان العيش بحرية وكرامة. 
من المهم الانتباه أن هذه المصطلحات التي لا محتوى لها، لا يستخدمها الإسلاميون فقط، فالليبراليون المفترضون في العراق، طالما صدعونا بالحديث عن «وطنية» و «مدنية» لا وجود لها سوى كخطابات دعائية. فائتلاف «الوطنية» بزعامة أياد علاوي استخدمت شعار «دولة مدنية ـ مصالحة وطنية ـ تنمية حقيقية» في انتخابات مجلس النواب لعام 2014، وتحدث عن «تأسيس نظام ديمقراطي ودولة المواطنة»، استمر في اللعبة المزدوجة: شكل وطني مفترض عابر للطائفية، مع محتوى طائفي بحت! فمراجعة السلوك التصويتي لأعضاء كتل أياد علاوي المتتالية (القائمة العراقية الوطنية 2005، العراقية 2010، ائتلاف الوطنية 2014)، داخل مجلس النواب، فضلا عن خطابهم السياسي، تكشف عن سلوك طائفي بحت (التصويت تبعا للهوية الطائفية)! 
عادة ما كانت المفاهيم المصطلحات التي استخدمتها وتستخدمها الأحزاب والتيارات السياسية في العراق مجرد شعارات خالية من أي محتوى! فقد كانت تمثلاتهم وأوهامهم هي التي تحدد حمولة هذه المصطلحات بعيدا عن مفاهيمها الحقيقية! 
فالشيوعيون استخدموا مصطلح «التقدمية» لتسويق دكتاتورية «الزعيم الاوحد»، وجعلوا الحبال التي تئد المؤامرات وفق شعار «ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة» معيارا لهذه «التقدمية»، وأخيرا أنتجوا ميليشيا «المقاومة الشعبية: لأداء هذه المهمة المتوهمة! وجاء بعدهم البعثيون ليستخدموا ميليشيا «الحرس القومي» أداة «ثورية» لتعذيب وقتل «المتآمرين» المتوهمين! ثم ليحتكروا تماما مصطلح «الوطنية» (ما زال البعثيون حتى اللحظة يستخدمون هذا المصطلح لحكم قيمة يختص بهم وحدهم!)، ثم جاء الإسلاميون بشعاراتهم وميليشياتهم ليتحول العراق إلى مسلخ كبير! ومن ثم لن يكون مصطلح «المدنية» سوى شعار عبثي آخر يستخدم لخداع الجمهور لإعادة انتاج الطبقة السياسية القائمة! والمفارقة أن جمهور المتظاهرين بعد تموز 2016 الذين رفعوا شعار «الدولة المدنية» كان نفسه الجمهور الذي أطلق على ميليشيا الإسلاميين العقائدية وصف «المقدسة، وروجوا لها،»، لأسباب طائفية بحتة، في إطار شيزوفرينيا تاريخية جماعية قادرة على انتاج نفسها دائما!

٭ كاتب عراقي

نقلا عن القدس العربي

أترك تعليق