الحداثة والتراث عند الجابري/ دنيا الحلاق
28/07/17
الحداثة والتراث عند الجابري/ دنيا الحلاق
0 35

نظمت مؤسسة محمد عابد الجابري للفكر والثقافة يوم الجمعة 7 يوليو/تموز في الرباط ندوة تحت عنوان «الجابري السياسي». ناقش مثقفون وساسة مسألة العلاقة بين الثقافة والسياسة عند محمد عابد الجابري (1935-2010) المفكر المغربي الذي درّسَ الفلسفة في جامعة الرباط، ووضع أكثر من ثلاثين مؤلفاً في قضايا العقل العربي والفكر العربي المعاصر. تبدو مسألة العلاقة بين الثقافة والسياسة أساسية في فكر الجابري، خاصة في أهم أعماله «نقد العقل العربي» الذي ترجم إلى لغات عديدة.

مقدمة في نقد العقل العربي

صدر بالفرنسية كتاب «مقدمة في نقد العقل العربي» لمحمد محفوض ومارك جوفروا، حيث قدما عرضا عاما لأفكار محمد عابد الجابري الواردة في كتابيه «نحن والتراث» و»قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي والتراث والحداثة». وجاء الجزء الأول من الكتاب مستعرضاً أخطاء الفكر العربي المعاصر ماركسيا كان أم ليبراليا أو سلفيا وأسباب فشله في التحديث، ويعود ذلك إلى المنهج التقليدي في الإنتاج العلمي. فيميز بين طريقتين: الإنتاج المبني على القياس والإنتاج المبني على البرهان أو الاستدلال. يقول الجابري «إن الحضارة اليونانية ثم الأوروبية تطورتا على هذا النحو، لأن العلماء لم يفصلوا بين الخطاب العلمي وتطبيقه في الواقع. ذلك ما حدث في الأندلس بعد أن هجر العلماء الميدان الديني المبني على القياس، ليتناولوا ميادين أخرى يحق لهم فيها استعمال البرهان العقلي». في الواقع يستند العلماء إلى دليل أو برهان لكي ينشئوا خطابهم العلمي. هكذا تقدمت الرياضيات والفيزياء وعلوم الطبيعة أما في المشرق فكان سياق الإنتاج الفكري جد محدود، أي مبنيا على القياس فقط.. قياس الشاهد على الغائب، أي فهم حالة مستجدة، (الغائب)، قياسا إلى حالة سابقة معروفة (الشاهد). للقياس في الأصل قواعد علمية أهملها العلماء مع الزمن بحيث بات القياس يستخدم في جميع الحالات، دون مراعاة تلك القواعد.

معضلة الفكر العربي

يعاني الفكر العربي المعاصر، في رأي الكاتب، من عجز في الاستقلالية نتيجة استخدامه الخاطئ للقياس. إن الخطاب السلفي العربي يربط قراءته للواقع (الشاهد) بقراءته للماضي لا الماضي كما كان فعلا، بل كما يتخيله أصحاب هذا الخطاب وكذلك الفكر الليبرالي، الذي ينطلق من تجربة الغرب الحديث (الشاهد) لكي يقدم مشروعه لتحديث المجتمع العربي الحاضر (الغائب). أما الخطاب الماركسي فيدور حول إمكانية تطبيق التجربة الروسية أو الصينية (الشاهد) على الواقع العربي (الغائب). وتبدو هذه الإشكالة في أن هذه المشاريع، في سعيها لتقديم رؤية جديدة، لا تنطلق من الواقع العربي الراهن، بل من الماضي. وهذا، في نظر الكاتب، هو سبب فشلها المنهجي. ومن الواضح أن هذه القراءة للتراث وللواقع هي قراءة لا تاريخية، غير علمية وغير موضوعية. كما لو كان باستطاعتنا أن نقرأ التجربة الماركسية الروسية، أو فترة ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، بشكل منفصل عن سياقها التاريخي السياسي والعلمي والاجتماعي، وباستعمال منهجية جاهزة وكاملة قابلة للتطبيق على أي واقع. هذا الموقف يشير إلى مشكلة أخرى: عدم الانفصال والتمايز بين الذات والموضوع، بين القارئ العربي وتراثه.

أزمة الحداثة العربية

ليست هناك حداثة واحدة بل حداثات عديدة جميعها مؤسسة على مبدأين.. الطريقة العقلانية في الإنتاج والديمقراطية. ما يقترحه الكاتب من أجل الخروج من هذه الأزمة في الإنتاج العلمي وفي بناء مفهوم حداثة عربية يقوم على مرحلتين.. الأولى هي انفصال القارئ العربي عن التراث، باستعمال طريقة حديثة في قراءته تقوم على استخدام المنهجية البنيوية واللغوية والتاريخية في تحليل النصوص القديمة، توخيا للموضوعية. والثانية، أن يُقرأ التراث بوصفه نصا ينتمي إلى سياق تاريخي مختلف عن الحاضر، وأن يتمّ إبراز ما فيه من آليات الهيمنة (عكس الديمقراطية) واللاعقلانية. لا بد من فصل الذات عن الموضوع لتصبح العلاقة بين القارئ والتراث علاقة علمية.
المرحلة الثانية تقوم على بناء علاقة متجددة مع التراث من خلال سياقه التاريخي وبإدراك أعمق لأبعاده السياسية والأيديولوجية. فيصبح النص معاصراً لعصره. لابد من التمييز ما بين المحتوى المعرفي للنص وأبعاده الأيديولوجية المرتبطة بعصره. ولابد من دراسة لتاريخ الفكر العربي تأخذ بعين الاعتبار البعدين المعرفي والأيديولوجيا، لتمكين القارئ من إدراك وضعه الحالي. إن الحداثة العربية تصبح ممكنة عندما ننطلق، في بناء مشروعنا، من الواقع الراهن وموقعنا التاريخي من التراث.

باحثة سورية

نقلا عن القدس العربي

أترك تعليق