عطلة في بلاد الجنيّات/ بروين حبيب
14/08/17
عطلة في بلاد الجنيّات/ بروين حبيب
0 42

لم أسأل نفسي ذلك السؤال القديم: أين رأيت تلك الشوارع وتلك المدن؟ كنت مستسلمة تماما لمكان أعرفه عن ظهر قلب، مع أن قدماي وطأته لأول مرة. ذاك بالضبط ما شعرت به حين وصلت مدينة أودينسا في الدنمارك، كل شيء حولي كان مألوفا، الشوارع والبيوت والأشجار ورائحة الهواء البارد ووشوشات الناس.
كل شيء من حولي عشته وتشبعت به، وهذا الشعور مرعب لمن لم يعش متعة قراءة « بائعة الكبريت» و»ملكة الثلج» والكثير من قصص هانس كريستيان أندرسون. 
الأدب حياة حقيقية، وقد أدركت ذلك حين عرفت مدينة أندرسون، أما حين زرت متحفه ولمست أشياءه، فقد تلبستني رغبة في البكاء، لأني شعرت بحجم الغياب الذي فرّق بيننا، وحجم الشوق إليه، وكأن لا هوة زمنية بين جيلي وجيله، فقد عرف أن يكتب الأشياء التي أسعدت كل أطفال العالم دون استثناء، وكان أقرب إلينا من بعض أفراد العائلة، إذ أذكر أني حين أنغمس في قراءة قصة، أنسى أني في البيت، أنسى موعدي الغداء والعشاء، وأتهرّب من اللعب مع الصديقات، وحتى حين تناديني أمي لا أرد… أحيانا لا يصلني صوتها بتاتا وسط الأصوات المنبعثة من تفاصيل القصة التي تملأني حتى قمة رأسي.
في أودينسا رأيتني طفلة تتوغل في قصصها المفضلة، ويعود بها الزمن إلى تلك الأيام الجميلة، وتعيش الأشياء الحلوة مرتين. لم أصدق ما حدث، لكني كنت يومها خارج حاضري تماما، مجرّدة من تراثياتي وعباءات الشرق التي ارتديتها على مدى سنوات عمري، ومن الزحف الزمني الذي ألبسني المخاوف والشكوك والأسئلة، وكمن ولد بأعجوبة بكامل وعيه، وقفت تلك الوقفة التي لن أنساها أبدا وأنا في قلب متحفه، وقفت أمام شريط طفولتي كله، وهذه هي الخرافة بحد ذاتها. 
وقد خطر أندرسون على بالي هذا الأسبوع، بدون أن أنتبه أنها ذكرى وفاته الثانية والأربعين بعد المئة، فقد تذكرت أودينسا كمدينة فريدة من بين المدن التي تركت بصمتها على مخيلتي وشخصيتي وذائقتي الأدبية والثقافية عموما. وكيف أن الرجل الذي أوقف عمره في محطة الطفولة وظلّ فيها إلى الأبد، وآمن بكل خرافات الدنيا وكتبها بصيغ تسلب الألباب، منح مدينته تلك البراءة الأبدية، وسر استقطاب العالم، ولا يزال يجلس هناك بأناقة زمنه المفرطة يتأمل زائريه، وأبواب الرزق مفتوحة على يديه يوميا، كما شاء الله. 
مدينة أودينسا مرتبة ونظيفة وجميلة، وكأنها لوحة أبدع رسام في رسم تفاصيلها، والرجل الذي لم تؤمن به في بداياته تحول إلى رمز لها، واستُثمر بعد وفاته وعلى مدى كل هذه السنين ليصبح وجها ليس فقط لها، بل لكوبنهاغن العاصمة الدنماركية أيضا، وحسب الخريطة السياحية التي اتبعتها مشيت على خطاه، كما كل عشاقه الذين يقصدونه من كل حدب وصوب. بعد أودينسا توجهت إلى كوبنهاغن ولم أكن أعرف المفاجأة التي كانت في انتظاري، حين قضيت عطلة لا تنسى مع صديقتي الكاتبة نينا مالونفسكي، ليس فقط لأنها ابنة المدينة، بل لأنها عرّابة رحلتي الأدبية بامتــــياز، وأولها كيف استقبلتـــني وزيرة الثقافة الدنماركية ودخولها علينا بدراجتـــها الهوائية، وبساطتها، وكيف أدهشـــتني باجتهادها في معرفة البحرين، قارئة للموسيقى وللنهامة ومتعرفة على شكل مغاصات اللؤلؤ البحريني… والصراحة إن ما أدهشني ليس فقط دراجتها الهوائية، وبساطة لباسها وتأنقها، بل اهتمامها بتحضير نفسها للقاء مواطنة قادمة من الشرق، بالنسبة لي فقد ألفت أن نسأل الآخر عن ثقافته ومميزات بلده القادم منه، ما يجعلنا في الغالب في موضع استماع لا في موضع أخذ ورد، إلا أن الوزيرة ـ وليس لأنها وزيرة ـ كانت لبنة أساسية في الهرم الثقافي الدنماركي، وخلال حديثها الشيق لم تسمح لنفسها بالاستحواذ على دفة الكلام، ولكنها أحسنت في إثراء كل الموضوعات التي تطرقنا إليها، أما شغفي بأندرسون بحكم أنه أحد رعاة أحلامنا وأفراحنا في عمر الطفولة فقد أسعدها أكثر، وقد همست لها أن الدنمارك لا تكتفي بتزويدنا بأطيب زبدة في العالم، بل بزبدة الثقافة أيضا. 
المدن هي الوجوه وحركتنا داخل الزمن، هي لقاءاتنا الحيوية مع البشر، بكل زخم العلاقات بين محبة واستفزاز، واختلاف وتكامل وتآنس، ومن هنا عرفت كوبنهاغن.
لا تنفصل المعرفة عن رؤيتي للمدن، وكوبنهاغن مدينة مبنية بمقاسات معرفية فنية عالية، ولمسة الفن حاضرة في كل كبيرة وصغيرة فيها، وجمالها مرتبط بمنتج مبدعيها، تماما كقصص أندرسون التي جسد معظمها في الساحات والمتاحف والمقاهي والأماكن العامة. 
منحوتة «حورية البحر» التي تجذب السياح بكثرة تحفة في حد ذاتها، قدّمها الفنان كارل جاكبسون للمدينة عام 1913، بعد أن تأثر كثيرا بمسرحية عن قصة أندرسون عرضت في المسرح الملكي الدنماركي عام 1909، وأعجب بأداء راقصة الباليه إلن برايس، وهي تجسد دور «حورية البحر» التي أحبت الإنسان وخذلها، قصة نعيشها إلى يومنا هذا بأشكال مختلفة، لكن محتواها واحد، وقصة نقرأها لأولادنا بكل اللغات في العالم ويعجبون بها، وينتصرون بالفطرة للحورية وصدقها ووفائها، بدون أي توجيهات مباشرة. لو أن أندرسون يفتح عينيه ويرى ما قدمه لبلاده وبلدته، لو أنه يعرف أن كل خطوة خطاها أيام نضاله من أجل أدبه أعطت ثمارا تفوق مخيلته العجيبة.
بيوت نيهافن التي سكن في بيتين منها، وضعت عليها علامة سياحية مهمة لزوار المدينة، بهاء ألوانها وانعكاسها على مياه القنال غير كافية لجذب الزوار، إنه أندرسون من يفعل ذلك. البرج الدائري الذي يحوي منظارا لرصد النجوم والكواكب ومكتبة كان يجلس فيها كاتب الخرافات، يختبئ في بياضها الكثير، مما جال في خاطره، إطلالة واحدة من إحدى نوافذها نحو الخارج تكفي لرؤية ما كان يراه الكاتب منذ قرن ونصف القرن، بمبلغ رمزي تتسلق سلالم البرج ويهب الهواء البارد ليلفح وجهك، ثم بساط من الألوان لسطوح البيوت، وأبراج أخرى تبدو مغرية لزيارتها…
في كوبنهاغن كل خطوة خطاها أندرسون أصبحت بثمن، وبالتالي فإن الرجل خدم بلاده بأدبه أكثر مما خدمته أيام فقره وعوزه، هو الذي لم يلفت إليه أنظار أبناء بلده آنذاك، إلا حين حلّق في سماء أوروبا وعاود الدخول إليها كالطيور المهاجرة.
أودينسا، بيت طفــــولة أندرسون الصغـــير، متحفه إلى جانـــبه، متحــف الجنيات في كوبنهاغن، شوارع أندرسون المؤدية للبرج والبيوت التي سكنها، لينتهي بي هذا الترحـــال الثقافي إلى بيته الأبدي في أسيستنس، حيــث ينام عبـــاقرة الدنمارك في مقابـــر فخمة، تثير شهوتك للموت، يلزمك دليل سياحي لتعرف المكان جيدا، وتكتشف أن الموت ليس مخيفا وسط مئات الوافدين على المكان من أجل الاستمتاع بالشمس، وبموسيقى الجاز والتسوق…
ستخرج من المكان مثلما خرجت أنا منه، متشبعة بأهمية الأدب والفن، متوازنة في رؤياي لفكرة الحياة والموت، ودورة العطاء خلالها، عازمة فقط على المضي في مشواري الثقافي بمزيد من العزيمة، فإن لم يهتم هذا الجيل بما ننجزه، فإن الأجيال القادمة ستفهم، فقط يلزمنا القليل من الإصرار وكثير من اللامبالاة للمحبِطِين.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

نقلا عن القدس  العربي

أترك تعليق