القلق وأحلام اليقظة ينميان الخيال عند الانسان
16/08/17
القلق وأحلام اليقظة ينميان الخيال عند الانسان
0 19

تركنا القلق عاجزين، متعبين وخائري القوى، فهو أشبه بقوى خارجية تتحكم فينا، فيبدو سلوكنا ومزاجنا وكأنهما خارج سيطرتنا وتحكّمنا، وكأننا وقع خطفنا من قبل شخص مجهول، بإمكانه أن يشوّه صورة الحاضر ومعه المستقبل بأسوأ السيناريوهات التي يمكن أن نتخيّلها.

وفي حين، تمنحنا أحلام اليقظة الإحساس بالرضا والنشاط الذهني وبشيء من السعادة التي تنبع من إحساسنا بأننا نتحكّم في حياتنا ونمتلك السيطرة على مفاصلها وبإمكاننا أيضا أن نتحكّم في مسار الأمور، كل هذا يحدث بالاستعانة بالخيال وما يمكن أن يصوّره لنا من صور إيجابية فيها مدّ كبير من الأحلام والرغبات والأمنيات التي تداعب خيالاتنا، ولو في حيّز زمني قصير.

وترى غوردانا بيرنات، باحثة متخصصة في تاريخ الفن، درست علم النفس والإعلام في جامعة لوند السويدية، ومؤلفة الكتاب الشهير “معرفة الذات، يمكن أن تغيّر كل شيء”، أننا في كلتا الحالتين نستخدم المصدر ذاته وهو خيالنا، إلا أننا نحصل على نتائج مختلفة تماما، والسبب في ذلك أننا ومن خلال تواجدنا الافتراضي في هذا المستوى من الخيال تبدو الحقيقة أمامنا وكأنها حقل كبير واسع يقع خارج ذواتنا، يحتوي على معتقداتنا وتصوراتنا عن أنفسنا.

هذا الحقل يبدو وكأنه مرآة ثلاثية الأبعاد تعمل على منح الصورة أكثر من جانب واحد وبحجم مكبّر أحيانا، المرآة التي تطيعنا دائما وتصدق كل ما نخبرها به؛ فإذا كان تركيزنا بصورة أكثر على القلق، فإن هذه المرآة ستعطينا المزيد من الصور والأفكار والنتائج التي تصب في مصلحة القلق، بطريقة قد تحوله إلى واقع صلد وملموس.

هذا الأمر قد يبدو غريبا ومن الصعب تصديقه لأنه يفتقد إلى المنطق ظاهريا، إلا أن متخصصين يرون الصورة من وجهها الآخر؛ بأن ما نتخيّله وكل ما يدخل ضمن نطاق هذا (الحقل) الافتراضي، يمكن أن ينعكس في هذه المرآة، وهي بالطبع أداة محايدة ستكون مطيعة وستقوم بواجبها على أكمل وجه، واجبها يعني أنها ستعكس ما تراه بوضوح وصدق، فإذا ابتسمنا ابتسمت وإذا عبسنا بوجهها عكست صورتنا القاتمة بكل تفاصيلها، فتبدو كخادم مطيع لا يجادل ولا يضع شروطا.

الملل كلما نجح في التسلل إلينا، تبدأ عقولنا بممارسة الخيال الإبداعي فتميل إلى طرح التساؤلات وتبدأ الأحلام

نحن من يرسل الابتسامة ونحن من يستقبل صورتها في المرآة دون رتوش، نحن المرسل والمتلقي في آن واحد، ولهذا فإن خيالنا هو الذي يحدد واقعنا، كما أن أفكارنا، مشاعرنا ومعتقداتنا الراسخة هي التي ستنعكس صورتها في الحقل الواسع الذي يقع خارج ذواتنا.

وتؤكد غوردانا أن هذا قد يكون السبب وراء المقولة المتداولة في مجتمع علماء النفس “كن حذرا فيما تتمنى”، فكلمة “تتمنى” قد تكون بديلا لكلمات تبدو أكثر ثباتا وصدقية مثل؛ تفكر، تعتقد، تؤمن بـ أو تتحدث عن.

ووفقا لدراسة أجراها دانييل جلبرت وماثيو كلينغسورث؛ وهما عالما نفس في جامعة هارفارد الأميركية، فإن أحلام اليقظة تشغل حوالي 47 بالمئة من زمن ساعات يقظتنا. وأشاروا إلى أن هناك أدلة علمية تؤكد أن أحلام اليقظة هي من أبرز سمات الأشخاص المبدعين.

وفي مقالها الأخير في مجلة “علم النفس” الأميركية، تؤكد مارلين برايس ميتشل، أستاذة علم النفس التنموي والباحثة في مجال التنمية الإيجابية للشباب، أن الملل كلما نجح في التسلل إلينا، تبدأ عقولنا بممارسة الخيال الإبداعي فتميل إلى طرح التساؤلات والأفكار المتسلّطة والاحتمالات وتبدأ الأحلام أيضا.

ولسوء الحظ، تعد أحلام اليقظة وقتا مهدورا من وجهة نظر الكثيرين، ولهذا يلجأ الكثير من المربّين وأولياء الأمور إلى محاولة قمع أو قتل هذه العادة لدى الصغار الحالمين، وكأنهم يقمعون رغبة فطرية في نفوس هؤلاء الصغار من شأنها، لو قُدّر لها أن تأخذ مجراها الطبيعي- الغريزي، أن تحلّق بأصحابها إلى فضاءات واسعة من الإبداع والخَلق.

ومنذ ما يقرب الخمسين عاما، أشار عالم النفس الشهير جيروم سنغر، إلى أحلام اليقظة باعتبارها جانبا طبيعيا ومهما وأساسيا في تكوين الخبرة الإنسانية وبدلا عن اعتبارها مضيعة للوقت كما هو متعارف عليه، فإن استثمار هذه اللحظات أو الساعات من اليوم في تعزيز الخيال الإبداعي هو أفضل فرصة يمكن أن يحصل عليها الأشخاص المبدعون، لكونها تعد فرصة جيدة لاستشفاف الاحتمالات وإطلاق الأسئلة والتخطيط لمشاريع مستقبلية.

وروّج جيروم سنغر لمصطلح (أحلام اليقظة الإيجابية) تلك التي تؤسس لخيال إبداعي، لتمييزها عن أحلام اليقظة التي تحيل إلى القلق والوساوس والأوهام، ومن خلال تسليطه الضوء على هذه الفروق استطاع أن يسلّط الضوء على الدور الحيوي والمهمّ الذي تلعبه أحلام اليقظة الإيجابية في حياتنا اليومية، على ألا تكون هذه الأحلام وما تمثله من خيال إبداعي، عائقا أمام مسؤولياتنا خاصة فيما يتعلق بعملية التعلم والأداء الأكاديمي، التي تستدعي اهتماما وتركيزا وذاكرة نقية بعض الشيء، إذ أن الفشل في السيطرة على التركيز والانتباه عندما يتطلب الظرف ذلك، قد يسبب إحباطا كبيرا لصاحبه.

علينا أن نختار الوقت والظروف المناسبة للانطلاق في أحلامنا بطريقة لا تتعارض مع أساسيات حياتنا مثل التحصيل والعمل والقيام بالمسؤوليات على أحسن وجه.

أترك تعليق