شيزوفرينيا سياسية! /يحيى الكبيسي
03/09/17
شيزوفرينيا سياسية! /يحيى الكبيسي
0 28

في سياق الانخراط شبه الجماعي لوعاظ الديمقراطية في الغناء «للعراق الجديد»، وعلى رأسهم الإعلام العراقي وتحديدا جريدة «الصباح»، والتي ينص قانونها على أنها صحيفة ممولة من المال العام، وقد أرادها الأمريكيون أن تكون شبيهة بتجربة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، لكن من الواضح أن فكرة الاستقلالية لا تتسق مع الذهنية العراقية بتاتا! 
أن تجد مقالات يتحدث فيه رئيس تحرير جريدة «الصباح» عن معركة الموصل (وهو نائب سابق، ومرشح على قائمة دولة القانون عام 2014): كما يراها هو «نموذجا أخلاقيا قل نظيره ومعركة شرف عراقية نظيفة وبمقاييس حضارية أثلجت صدور الأحرار على هذا الكوكب»! وبالتالي فإن استعادتها كتحصيل حاصل «سترمم الانكسارات فينا وتطلق التسامح والمحبة والأخوة والوحدة الوطنية»! أمر يدعو للتساؤل حول قضايا إعلامية كثيرة تشبه الكوارث السياسية التي يتعرض لها العراق. 
وفي السياق ذاته يتحفنا مدير تحرير الصحيفة نفسها بتقديم «نموذج» عن هذا العراق «المرمم والفائض بمحبته وتسامحه « من خلال مصطلح مبتكر يحسب له، ألا وهو مصطلح «المناطق منزوعة السكان»! وهو المصطلح الذي حصل على «لايكات» من أكثر من «مثقف» من مناهضي «الطائفية» في حالة من»شيزوفرينيا» مثالية! وفي التنظير لهذا المصطلح يقول لنا السيد مدير تحرير الصحيفة الرسمية المفترضة «للدولة» العراقية، تعليقا على قرار مجلس محافظة بابل برفع دعاوى قضائية على أي شخصية تطالب بإعادة نازحي منطقة جرف الصخر (تقع شمال محافظة بابل) إلى مدينتهم وبيوتهم ومزارعهم لأسباب طائفية بحتة، يقول مساندا لقرار التهجير هذا: «مناطق خطرة مثل ناحية جرف الصخر لا بد أن تكون منزوعة السكان، وذلك لأن كل الأحداث والتجارب أثبتت بأن الإرهاب تفشى في تلك المناطق بسبب الطابع العام لتكوينها الاجتماعي المؤهل دائما لأن يكون حاضنة لتجمع الوحوش»، وبأن المدينة وما حولها، بسكانها الذين يصل عددهم إلى نحو 100 ألف نسمة «كانت عبارة عن خزان إرهابي كبير في خاصرة بغداد وكربلاء وبابل، وهو خزان تسربت منه سيارات مفخخة وأحزمة ناسفة كثيرة صوب المدن والمناطق الشيعية المجاورة»! وبالتالي «من غير المنطقي» تسليمها «ببساطة» إلى سكانها المتعاونين مع الإرهاب، ولا بد أن تكون جرف الصخر ومثيلاتها «مناطق منزوعة السكان إذا أردنا أن تكون فعلا مناطق منزوعة الإرهاب». 
في مقالة سابقة تحدثنا عن التواطؤ الجماعي فيما يتعلق بالتغيير الديمغرافي الذي يجري بشكل منهجي في مناطق كثيرة في العراق استغلالا للحظة تنظيم «الدولة» (داعش)، بغطاء صريح توفره الدولة العراقية التي يهمين عليها الفاعل السياسي الشيعي، فضلا عن عمليات التغيير الديمغرافي التي تجري في المناطق الخاضعة لسيطرة إقليم كردستان في محافظات كركوك ونينوى وديالى، مع صمت ضمني من المجتمع الدولي! لكن الأهم هنا، أن هذا التواطؤ الجماعي الرسمي والدولي، يحظى بقبول مجتمعي، وتقوم جهات عدة بتسويغ وتسويق هذه المواقف، لأسباب طائفية بحتة، دون خشية من مساءلة أو ملاحقة قانونية، لأن الجميع يعلم أيضا أن القضاء نفسه هو جزء أصيل في هذا السياق!
بالعودة إلى موضوع جرف الصخر، فمن الواضح أن مجلس محافظة بابل، الذي سبق له أن أصدر أكثر من قرار رسمي بمنع عودة النازحين من منطقة جرف الصخر منذ استعادتها في أكتوبر/تشرين الأول 2014، ما زال متمسكا بقراراته، خاصة وأنه لم يلق موقفا رسميا حقيقيا من الدولة العراقية بسلطاتها الثلاثة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) سوى الخطابات في سياق ما أسميناه بالتواطؤ الجماعي! وهذا ما يدفع مجلس المحافظة ليس إلى الدفاع عن قراراته وحسب، بل إلى حد التهديد بمقاضاة من يطالب بعودة هؤلاء النازحين، بتهمة الإرهاب! ولم يتحرك أحد كالعادة لاستخدام المواد الدستورية التي تتيح لهم التوجه إلى المحكمة الاتحادية المالكة لصلاحية «الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية، وحكومة الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية». ببساطة لأنهم موزعون بين محايد في صراع طائفي (رئيس الجمهورية نموذجا)، أو آخر غير قادر على اتخاذ موقف حرصا على وضعه السياسي (رئيس مجلس النواب نموذجا)، أو متواطئ مع ما يحدث (رئيس مجلس الوزراء نموذجا)! وهنا نحن نتحدث بالتأكيد، في إطار نظري بحت! وإلا فإن المحكمة الاتحادية نفسها مسيسة، ولا تتخذ قراراتها إلا في مصلحة «الأقوى»، وأغلب الظن أنه في حال رفع هكذا دعوى ستماطل المحكمة الاتحادية في اتخاذ قرارها، وهو سلوك منهجي لها، أو تعمد إلى التنصل عن مسؤولياتها برفض النظر في الدعوى بمسوغات شتى، مما يعني بقاء الأمر الواقع على حاله.
بعد احتلال الموصل في يونيو/حزيران 2014 أطلق مدير مكتب قناة العراقية في باريس، وهي كما قلنا قناة الدولة المفترضة، دعوى لقصف المدينة وسكانها الذين يزيدون عن المليون نسمة حينها بالسلاح الكيمياوي! متهما سكانها جميعا، تحديدا أطفالها، بأنهم قد أصبحوا «دواعش» وبالتالي لا بد من استئصالهم جميعا! ومع هذا بقي الصحافي الهمام في موقعه حتى اللحظة، بل أرسلته القناة نفسها مراسلا لتغطية معركة الموصل (وهنا يمكن تخيل مدى مهنيته كمراسل حربي فضلا عن مهنية القناة التي أرسلته)! 
قناة العراقية هنا مجرد «مثال» على حالة الشيزوفرينيا السياسية والاجتماعية والأخلاقية السائدة في العراق اليوم! مدنيون يدافعون عن «مدنية الدولة»، ولكنهم في الوقت نفسه يطلقون على ميليشيات عقائدية وصف «المقدسة»، ويدافعون عن جرائمها باستماتة لا تقل عن استماتتهم في الدعوة للدولة المدنية! وإسلاميون يؤمنون بكل مقدمات المدونة الإسلامية «العقائدية» و»الفقهية» التي انتجت التنظيمات التي وسمت بالتطرف والإرهاب، وعلى رأسها تنظيم «الدولة» (داعش) لكنهم في الوقت نفسه يرفضون القيام بأي مراجعات حقيقية لهذه المدونة الإسلامية ويطلقون على «الآخرين» وصف «الخوارج» أو «التكفيريين»! لمجرد أنهم يعتقدون أن المدونة/ النظرية شيء مستقل بذاته عن الفعل/ التطبيق! أما البعثيون العراقيون بعد 2003 فقد أصبحوا فجأة متخصصين في حقوق الإنسان! تجدهم يتحدثون بكل جدية، ومن دون أن يرف لهم جفن! عن الاعتقالات والمعتقلات والتعذيب والمحاكم الصورية والقضاء المسيس! وقد تأخذ بعضهم الشفافية إلى مداها الأقصى، فيتحدث عن الفساد والعلاقات القرابية التي تحكم الدولة! وإذا ما حاولت مجرد تذكيرهم بأن ما يجري مجرد إفراط فيما كانوا يمارسونه طوال عقود بمنهجية يحسدون عليها! سيأتي اتهامك مباشرة بالعمالة واللاوطنية، باعتبار أن الوطنية كانت وما زالت حكرا عليهم دون غيرهم! على اعتبار أنهم كانوا يحمون الوطن والثورة والقائد الضرورة، وهو ما يجعلهم خارج سياق المحددات المتعلقة بحقوق الإنسان! فما يجوز للوطنيين لا يجوز لغيرهم! يصدق هذا الأمر على الجميع من دون أي استثناء، نحن هنا أمام فعل سياسي جماعي يرتبط بالأيديولوجيا والتحيزات والانتماءات قادر على تسويغ نفسها بطريقة لا اخلاقية! 
من الواضح، إذا، أن المقدمات نفسها التي انتجت ظاهرة تنظيم «الدولة» (داعش) عراقيا، يعاد إنتاجها مرة أخرى، وبصيغ أكثر صرامة هذه المرة في «العراق الجديد»! مع أوهام ترى أن القوة وفرض الأمر الواقع يمكنها في النهاية تدجين «المهزومين»، وبالتالي ليس أمامنا إلا انتظار دوامة عنف مقبلة تبقي العراق في قلب الظلمة!

نقلا عن القدس العربي

أترك تعليق