كيف يُرسَمُ الإنسان كخريطة ثقافية؟/ شهباء شهاب
03/09/17
كيف يُرسَمُ الإنسان كخريطة ثقافية؟/ شهباء شهاب
0 29

الثّقافة بمعناها الأنثروبولوجي لا تشير إلى آداب وفنون المجتمع وإنّما هي مصطلح شامل يشير إلى طريقة حياة مجتمع ما وأسلوبه في العيش، فهي المعرفة المخزونة في ذاكرة المجتمع والتي تنتقل من جيل لجيل. وهكذا فإنّ لكل شعب مهما بدا بدائياً أو بسيطاً ذاكرته الخاصة وطريقة حياته المميزة، وأسلوب عيش يمتاز به. وهذا يعني أن ليس باستطاعة الإنسان، إلاّ أن يكون مخلوقاً ثقافياً، أي مخلوق له طريقة حياة تميزه، وأسلوب عيش خاص به. وهكذا، نرى أن امتلاك الثقافة، بهذا المعنى الانثروبولوجي، يُفرِّق بين الإنسان، وبين الفصائل الحيوانية.
وهذا يقودنا إلى تساؤل، وهو كيف تُرسَمُ الخريطة الثقافية للإنسان! ومن هو الذي يقوم برسمها وإتقانها! كل إنسان، هو في حقيقة الأمر، عبارة عن كائن من طبقتين في آن واحد، الطبقة الأولى، هي الكيان الطبيعي، أو البايولوجي والطبقة الثانية التي تختبئ تحت جلد هذا الكيان هي الكيان الثقافي. وللتفريق بين الكيانين المندمجين في كائن واحد عمد علماء الإنسان إلى استخدام مصطلح ((الإنسان)) للإشارة إلى الكيان البايولوجي ومصطلح ((الفرد)) للإشارة إلى الكيان الثقافي. هذا الكيان البايولوجي، كما نراه اليوم، لم ينشأ، ويتطور من فراغ، ولكنه أصبح ما هو عليه اليوم، بفعل الهيمنة والتأثير الذي يمارسه الكيان الثقافي، الساكن تحت جلده . فالكيان الثقافي، يمارس هيمنته، وسلطته، ويترك بصماته على كل شيء في حياة الإنسان، من أدواته، إلى ملابسه، إلى طعامه، إلى احتفالاته، وطقوسه، وتقاليده، وغضبه، ومخاوفه، وحزنه، وطموحه، ورغباته، وعدوانه.
فمثلاً، لا أحد يشُّك في أن ما يستهلكه شعب ما، باعتباره طعاما صالحا للأكل، لن يكون صالحا للأكل لكلِّ الشعوب الأخرى. وهذا يعني، أن كثيراً من المواد، التي يرفض الفرد العربي، مثلا، تناولها، كمواد صالحة للأكل، هي من الناحية الغذائية، قادرة على تغذية الكيان البايولوجي للإنسان. وأمثلة ذلك، مواد مثل لحوم الخيول، أو الحمير، أو الكلاب، أو القطط، أو الفئران، أو الأفاعي، أو الضفادع، أو السلاحف، أو الحشرات . ففي بقاع من هذا العالم، قد يجوع الناس إذا لم يستغلوا كل مخلوق يتحرك، باعتباره طعاماً نافعاً. ولكي نشاهد الهيمنة القوية، والنفوذ الكبير، الذي يمارسه الكيان الثقافي، المختبئ تحت جلد الكيان البايولوجي للإنسان، بإمكاننا أن نتصور كيف سيشعر الكثير من الأفراد بالغثيان، والدوار، والمرض، عندما يعلمون أن ما ظنوه لحم سمك لذيذ، ما هو إلا لحم تمساح مثلا، وما أعتقدوا أنه يخنة طيبة، ورائعة لم تطبخ، في واقع الأمر، إلا باستخدام لحم القطط، أو سيقان الضفادع . 
فإذا كان هذا الطعام طيبا وجيدا، إذن لماذا يشعر الناس بهذه المشاعر المرضية عند تناوله! والجواب هو إن الناس الذين تصيبهم أحاسيس القرف، والغثيان، والرغبة بالتقيؤ، هم أولئك الأفراد الذين نشأوا في ثقافة تعتبر تناول لحوم هذه الحيوانات، أو الحشرات، أو الأحياء المائية مرفوضا، ليس فقط باعتباره طعاماً سيئاً، أو غير مقبول، وإنما أيضاً، باعتباره طعاما غير مألوف، أو غير دارج، أو غير طبيعي، أو مقرف، أو كريه، أو مثير للإشمئزاز . 
وهكذا، نرى أنّ الطعام، حاله حال أي عنصر آخر من عناصر الثّقافة، هو أكبر بكثير من مجرد مادة غذائية تستهلك لإبقاء الكيان البايولوجي للإنسان على قيد الحياة، ليستحيل إلى مادة محكومة بشروط الكيان الثقافي، وتعريفاته، وحدوده. وهكذا نرى أن الكيان الثقافي هو الذي يمنح الاعتراف بمادة غذائية، مثلاً، على أنها مقبولة، ومستحبة، وهو الذي يحجب هذا الاعتراف، ويسحبه، ويمنعه . وهذا، يجعلنا نفهم أنه لا ينبغي التعامل مع الإنسان، وكأنه قد خلق في فراغ، أو كأنه نبتة منزوعة الجذور. فكل إنسان يكتسب كياناً ثقافياً، يتشَّكل تحت جلده، بمجرد ولادته، ويستحيل بموجبه إلى فرد في ثقافة، منذ اللحظات الأولى لحياته. 
وهكذا، نرى أن الإنسان يخلق الثّقافة، وهي تخلقه كذلك. وبهذا، تصبح عملية الخلق عملية متبادلة. وهذا يعني أيضاً، أن فهم سلوك الفرد سيقودنا حتماً إلى فهم سلوك ثقافته، والعكس صحيح أيضاً، أي أن فهم سلوك ثقافة ما، سيجعلنا نفهم سلوك الأفراد المنتمين لتلك الثّقافة. وهذا الفهم، سيقود إلى المعرفة، وإلى التفهم، وتجنب المشكلات والصراعات. وهذا، يقودنا إلى تساؤلات، من قبيل ماذا تعني أية ثقافة لأولئك الأفراد الذين يعتنقونها، ويبقونها من خلال سلوكهم اليومي، ثقافة حيّة، تنبض بالحياة ! وما الذي يجعل ثقافة معينة قادرة على أن تخلق فرداً عربياً هنا، أو إنكليزياً، أو فرنسياً، أو افريقياً هناك، وكيف تتم عملية الخلق هذه ! سيُدهش البعض، إن عَلِمَ أن لكل ثقافة قواعدها الخاصة بها، فهي كاللغة تماما، لا تسير اعتباطا وإنّما وفق قواعد وأنظمة. وهذا يعني، أنّ كل فرد لابد أن يتعلم قواعد ثقافته في مراحل حياته المختلفة. وهكذا، فإنّه سيتعلم قواعد ثقافته في الأكل، والشرب، والنوم، وحتى في قضاء حاجته، وممارسة الجنس. كذلك، سيتعلم أيضا قواعد ثقافته في الكلام، والسلوك الملائم في مختلف المواقف، والمناسبات، وكذلك الدور الاجتماعي المناط بجنس الرجال، وجنس النساء.
وهذا يقودنا إلى أن ندرك أن الثّقافة لا تنتقل جينياً، وأنها تكتسب بالتعلم. وهذا يعني، أن كل طفل يولد حديثاً، يولد وهو لا يحمل أية ثقافة، فالثقافة، تكتسب عبر عملية طويلة، قد تمتد لتشمل كل حياة الفرد. وهذه العملية هي ما تسمى بعملية ((التثّقيف))، أو كما يسميها عامة الناس ((التربية)). وهكذا، فإن هذه العملية هي عملية تعلّم الفرد لقواعد ثقافته، وتمتد من لحظة الولادة حتى لحظة الممات إلاّ أنها تكون على أشدّها في مراحل الحياة الأولى، وهي مراحل تشكيل الطفل، وصياغته ليصبح فرداً في ثقافة معينة. ولذلك، قيل في الأمثال النقش في الصغر كالنقش على حجر. 
إنّ عملية رسم الخريطة الثقافية للإنسان ليصبح فرداً ينتمي لمجتمع ما، تتم بطرق مختلفة منها التعلم بالتلقين، والتعلم بالمشاهدة، والمراقبة، والتعلم بالتجربة والخطأ، والتعلم بالتقليد والمحاكاة، والتعلم برواية القصص والحكايات والاساطير. وتتم عملية تعليم الإنسان داخل عائلته، ومحيطه المحلي، وكذلك عن طريق مؤسسات المجتمع المختلفة، كالمدرسة، والجامعة، ودور العبادة. وخلال هذه العملية، عملية تأسيس الفرد، يواجه الإنسان باستمرار الترحيب، والاستهجان، والثواب، والعقاب، والوجوه الباسمة، والوجوه العابسة، المستنكرة، ومشاعر الفرح، والاشمئزاز، وتراجع المحبة، أو العناية، أو الاهتمام، وكذلك تعابير الخزي، والعار، والسخرية، والمديح، والحرمان، والتهديد، والوعيد، والوعود، والانذار بعقوبة الإله، أو عقوبة المجتمع، وربما حتى العقاب الجسدي. وهكذا، تتم عملية صياغة الإنسان، ورسم خارطته الثقافية عبر معادلة الثواب والعقاب، ليستحيل بعدها إلى كائن مُؤَسَّسٍ ثقافياً. 
إنّ عملية رسم الإنسان، كخريطة ثقافية، واكتسابه للوجه الآخر من كينونته، وهو وجه الفرد، هي عملية لابد منها لديمومة المجتمع، وبقائه، واستمراره. وهذا لأنّ الثّقافة هي التي تُنظَّمَ الدوافع الطبيعية للإنسان، وتضبطها، فالناس لايستطيعون العيش معا إذا كان كل واحد منهم يفعل ما يشتهي ويريد، دون أي اعتبار للأفراد الآخرين من حوله. وبالإضافة لذلك، فإن خريطة الإنسان الثقافية هي بمثابة الموسوعة، أو القاموس الذي يرجع الفرد إليه ليساعده على التنبؤ بالسلوك الملائم في المواقف المختلفة، وكذلك توقع سلوك الأفراد الآخرين من حوله.

كاتبة من العراق

نقلا عن القدس العربي

أترك تعليق