إيران ولعبة الفيزياء النووية/ محمد رشاد عبيد
03/09/17
إيران ولعبة الفيزياء النووية/ محمد رشاد عبيد
0 29

هدد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان الإيراني) علاء الدين بروجردي الاثنين الماضي بأن إيران ستقوم بتنصيب اليورانيوم عند نسبة 20% في حال عدم التوصل للاتفاق النووي الشامل مع مجموعة 5+1.
وأضاف في تصريح صحافي أنه تم إبلاغ الأمريكيين في حال عدم التوصل إلى تفاهم ستعود إيران على وجه السرعة إلى تدشين المراحل التالية أي إلى تخصيب بنسبة 20% وتدشين أجهزة طرد مركزي جديدة وتدشين في الوقت نفسه مفاعل اراك. حسب وكالة أنباء فارس الإيرانية نستطيع القول إن هذا التهديد الإيراني سياسي وليس له قيمة عملية في مجال الطاقة النووية، ومفهوم خصوصا عقب الضغوط الأمريكية والعقوبات الاقتصادية الأخيرة على طهران، والتهديدات الأمريكية والدولية لإيران بسبب عدم التزامها ببنود الاتفاق النووي المبرم معها مؤخرا والموقع معها من قبل الدول الست دائمة العضوية في مجلس الأمن وهي فرنسا وأمريكا وبريطانيا والصين وروسيا وألمانيا قبل عام من الآن أثناء عهد الرئيس بارك أوباما. 
وربما يفيد التذكير بأن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لم يكن راضيا عن هذا الاتفاق أو الصفقة الأمريكية مع طهران حيث هدد ترامب طهران في 11 من الشهر الحالي واصفا إيران بأنها لا تحترم روح الاتفاق النووي وأبدى قناعته مجددا بأن الأمر يتعلق باتفاق رهيب وهو الاتفاق الذي هاجمه بعد تربعه على عرش البيت الأبيض. هذا اللعب في الفيزياء النووية أو بالأحرى أرقامها العلمية يطرح العديد من علامات الاستفهام المشروعة – إنجاز طهران اليوارنيوم عند مستوى 20% – في مدى زمني قدره خمسة أيام، ويراد منه الاستخدام السياسي والاستهلاك الإعلامي، ولا يمكن لأجهزة الطرد المركزي التقليدية في أي بلد في العالم إنجاز ذلك ولن تكون الأجهزة الإيرانية هي الاستثناء، واستحالة إنجاز إيران لذلك في فترة قصيرة لكنها ممكن أن تزيد عن مستوى العشرين في المئة وتنقل تدريجيا إلى نسبة الـ 90 و92 العالي التخصيب وهذا هو الخطير جدا الذي يمكن إيران من صناعة القنابل الذرية وأسلحة نووية تهدد أمن العالم بأسره.
السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هو ماذا تريد أن تحقق إيران من هذا التهديد المبطن لواشنطن وهل دخلت مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وواشنطن في مرحلة كسر عظم، وتريد أن تجعل ترامب هو من يصرخ أولاً وليس القيادة الإيرانية التي تمتلك العديد من المفاعلات النووية؟ الأيام والأسابيع وربما الأشهر المقبلة سوف تجيب عن الكثير من التساؤلات هذه خاصة بعد تمديد الدول الست المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني لمدة أربعة أشهر، وما هو الرد الأمريكي في المقابل حيال هذا التهديد الإيراني؟ نعود لنقول إن علامات الاستفهام تلك وأسئلتها المشروعة تقف عند لغز أو نسبة التخصيب الإيرانية عند 20%.
صحيح أن إيران خفضت عدد إنتاج منشأتها النووية من اليورانيوم المخصب إلى 6100 جهاز طرد مركزي من أصل 19000 تنتج المادة نفسها حسب وسائل إعلام إيرانية ووافقت على تجميد صناعة اليورانيوم المخصب فوق مستوى 5% من النقاء والتزمت بتغيير مخزون اليورانيوم المخصب عند 20، الذي تحوله إلى شكل من أشكال الأكسيد، مقابل سماح الدول الست لها باستعادة مبالغ ضخمة ربحتها من مبيعات النفط، وتم الإغلاق عليها في حسابات وبنوك أجنبية.
لكن الصحيح أيضا أن مساحة المناورة لدى طهران لا زالت كبيرة بكل المقاييس ولا تستطيع وكالة الطاقة الذرية إيقافها أو كشفها خاصة وطهران تمنع المفتشين الدوليين من زيارة بعض المنشآت النووية الإيرانية، الكبيرة منها على وجه الخصوص، على سبيل المثال لا الحصر مفاعل أو منشأة بارتشين في جنوب طهران، منذ العام 2005 وحتى ساعة كتابة هذه السطور فإن إيران تجيد اللعب في الفيزياء النووية سواء على إنتاج اليورانيوم لأغراض عسكرية سرياً، دون علم وكالة الطاقة الذرية والدول الست الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن أو إعلاميا عبر التهديد بأن إيران ستعود للتخصيب عند نسبة 20 بينما هي تستطيع، أي الحكومة الإيرانية، تخصيب أكثر من ذلك بمراحل، تدريجيا إلى أن تصل إلى التخصيب العالي عند 90 و 92%، تحت ذريعة أن القانون الإيراني ينص على عدم الكشف عن أي منشأة نووية قيد الإنشاء قبل اكتمال أعمال التخصيب فيها وإدخالها كليا في التخصيب العالي المستخدم لأغراض عسكرية.
وهنا تكمن الخطورة! وتاريخ إيران معروف للعالم بأسره تدفن رأسها في الرمال مثل النعامة ريثما تنجح تجاربها ومصانعها النووية وتخرج رأسها بعد دلك بمنشآت نووية عملاقة تشغل الآلاف من أجهزة الطرد المركزي. فإذا كانت طهران سابقاً وحينما كان برنامجها النووي في المهد يحبو في أوائل التسعينيات وبمساعدة الصين نجحت في إنشاء أول مرفق لتحويل اليورانيوم في أصفهان. وبعد ذلك بعقدين من الزمن قامت إيران بتخصيب اليورانيوم على النطاق المعملي واستخلاص مواد نووية، دون إحاطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عام 2003 فكيف سوف تلتزم بتنفيذ اتفاق الدول الست معها حاليا وتوقف تخصيب اليورانيوم فوق نسبة العشرين وما الذي يمنعها من التخصيب العالي وتتجاوز حدود 90٪‏ إلى 92 % وهي تمتلك حاليا حوالي 12 منشأة معلنة إنْ لم تكن أكثر؟ نعم تمتلك 12 منشأة نووية معلنة وهي أراك – بوشهر- جاشتن- نظنز- قم- اصفهان – باتشين – اردكان – كاهاند – جيهان – جوزستان – اناراك.
نختم بعد هذا النقاش المطول، بالقول إن إيران وضعت الدول الست وأمريكا على رأسها أمام خيارين لا ثالث لهما: الأول إما رفع العقوبات عنها والعودة إلى ما كان عليه الحال قبل الاتفاق المبدئي العام الماضي والذهاب إلى توقيع اتفاق شامل ينهي الأزمة مع الملف النووي الإيراني مقابل توقف إيران عن إعادة التخصيب وتدشين مفاعلات جديدة «رغم عدم جزمنا بذلك»، وإما الإبقاء على العقوبات الاقتصادية الدولية الجديدة وفرض المزيد منها عبر مجلس الأمن الدولي على إيران، وأن تتحمل هذه الدول النتائج، ومزيد من التخصيب الإيراني الذي لن يقف عند حدود 20% كما هددت طهران وإنما سوف يتجاوز الـ 90-92% إن لم يزيد أكثر.

صحافي وباحث سياسي يمني

نقلا  عن القدس العربي

أترك تعليق